ما يظن الكثير منا ، بل يتعلق بالأسلوب في التفكير ومواجهة المشكلات وطريقة حلها ، والقدرة
على إعادة ترتيبها على أكثر من وجه وعلى أحسن شكل للوصول إلى أفضل الحلول المناسبة،
ومسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة كما يقال .
فيؤكد الباحثون على أن الذكاء واختباراته تلائم أكثر ذوي التفكير النمطي أو ما يسمى بالإتفاقي أو
المتفق عليه (الذين يتبعون الأساليب المتعارف عليها لحل المشاكل) ، بينما الابداع يوافق ويلائم
ذوي التفكير الافتراقي أو "التحرري" (الذين يعملون بحرية واستقلالية أكثر ولهم قدرة على إعادة
ترتيب المشاكل ويجدون لها أكثر من حل).
يقول كالفين كوليدج:
"لا شيء في هذا العالم يمكن أن يقوم مقام المثابرة، لا الموهبة و لا العبقرية و لا التحصيل
الدراسي يمكنها ذلك. فنحن جميعاً نرى كم في هذا العالم من الموهوبين الفاشلين و العباقرة
المغمورين و المتعلّمين العاطلين. المثابرة و المثابرة وحدها هي التي تصنع الأعاجيب."
أستسمحكم عذرا أيها الأحباب أن نلقي نظرة على عالم الابداع، كي نستطيع قياس أنفسنا وإبداعاتنا
، ونأخذ بالأدوات الأساسية والعناصر الرئيسية للأبداع الحقيقي الجاد، ونتقرب أكثر فأكثر إلى هذا
العالم المشع المنير.
فماهو الابداع ياترى؟ وماهي المكونات الأساسية للمبدع؟ وهل مفهومه مرتبط بهذه المكونات
أولا؟
وماهي العوامل المؤثرة للتفكير الإبداعي وللعمل المبدع؟
وماهي معيقات التفكير الابداعي؟
العلماء في تعريفهم للإبداع مختلفون بعضهم يقصد به القدرة على خلق شيء جديد أو مبتكر ، بينما
يقصد آخرون أنه العملية أو العمليات السيكولوجية التي يتم بها خلق و ابتكار الشيء الجديد ذي
القيمة العالية ، و يرى فريق ثالث أن الإبداع ينشأ عن القدرة الإبداعية و عن العملية الإبداعية
التي تؤدي في آخر الأمر إلى إنجاز العمل الإبداعي بحقيقته .
ويعرف كذلك على أنه:
- عمل ذهني يقوم به الفرد باستخدام قدراته للوصول إلى أفكار جديدة أو استعمالات غير مألوفة أو
تفصيل خبرات محدودة إلى ملامح مفصلة.
- الوحدة المتكاملة لمجموعة من العوامل الذاتية الموضوعية التي تقود إلى تحقيق إنتاج أصيل
جديد ذي قيمة من قبل الفرد و الجماعة.
- عملية عقلية يستطيع الفرد من خلالها الوصول إلى أفكار أو نتاجات جديدة أو إعادة ربط أفكار و
نتاجات موجودة بطريقة جديدة مبتكرة .
- القدرة على التعامل بطريقة مريحة مع المواقف الغامضة أو غير المحددة و إيجاد مداخل جديدة و
تجريب أساليب و تطبيقات جديدة تماما ً.
- طريقة جديدة في حل مشكلة ما بطريقة منطقية.
بينما يرى دونالد ماكينون الباحث المشهور في الإبداع أنه لا يمكن تحديد مفهوم الإبداع إلا إذا
أحطنا إحاطة شاملة في الجوانب أو المظاهر المتداخلة المكونة للإبداع ، و هذه المكونات هي :
1. الإنتاج الإبداعي :هو أحد جوانب تفاعل الإنسان مع البيئة و يقاس الإبداع في أحد جوانبه بكمية
الإنتاج و صوره, فالإنتاج الإبداعي محك أو مقياس للإبداع.
يقول تورانس أن الطفل أكثر إبداعا من الراشد ، و أكثر سنوات الطفل إبداعا هي سنوات ما قبل
المدرسة و السنوات الثلاث الأولى من المدرسة ، و تبدأ هذه القدرات بالتناقص بسبب زيادة
المتطلبات المدرسية .
2. العملية الإبداعية: عملية معرفية ذهنية، حيث يكون الفرد في هذه العملية نشطا منظما للخبرات
لكي يستجيب للموقف الجديد.
3. الشخص المبدع : تعددت النظرة للشخص المبدع بسبب تعدد زوايا النظر ، فبعضهم يركز على
الجوانب الأدائية و آخرين على الجوانب الذهنية . و الشخص المبدع يجب أن يتميز بخصائص
عقلية معرفية و خصائص شخصية انفعالية، وسنأتي إلى ذكرها لاحقا.
4. الموقف الإبداعي: إن تكرار المواقف الإبداعية و تعددها يسهم بإطلاق صفة المبدع على الفرد.
وأيضا ً الفرد يكون مبدعا ً في موقف، و يظهر سلوكا عادياً في مواقف أخرى، فالإبداع يرتبط
بالموقف الذي تفاعل معه الفرد و يظهر حلاً غير مألوفاً.
المبادئ الأساسية أو الدنيا للتفكير الإبداعي للعقل المبدع
1. عدم الإفراط في تبسيط الأمور أو تعقيدها .
عليك بالتفكير الجدي في مسألة النقاش المطروحة و ابتعد عن المشتتات و انظر بشمول و قوم
إجراءات الحل و مراحله .
2. الخبرة متجددة والإبداع يعمقها.
إذا كانت المشكلة غير قابلة للحل فعليك بتجريب طرق أخرى للحل و ابحث عن مصادر مكتوبة أو
غير مكتوبة للإفادة منها و ناقش الزملاء في الحلول التي توصلت إليها.
3. إدراك أوجه الشبه والاختلاف والعلاقات القائمة .
المقصود هنا أن تبدأ في إجراءات حل ما يواجهك من مواقف بما يتوافر لديك من معرفة و خبرة
مثال : حتى تستطيع حساب ثمن الأشياء التي تقوم بشرائها يتطلب أن يكون لديك معرفة بالقراءة و
الجمع و الطرح والضرب .
4. الفهم والاستيعاب .
قبل البدء بالشرح حاول الإجابة على هذا السؤال، كم عدد أفراد كل جنس من الأجناس التي أخذها
آدم عليه السلام معه ؟
عند الإجابة يقوم الدماغ بعملية البحث في ثناياه و حتى تكون الإجابة دقيقة يجب أن تحدد المطلوب
بدقة فهذا يسهل عملية البحث فالمعلومة التي يسأل عنها موجودة و كلها مرتبطة بسيدنا نوح و
ليس آدم إلا أن عدم فهم السؤال أو عدم قراءته بدقة والتسرع في الإجابة يعود إلى الخطأ في الفهم
و الاستيعاب .
العوامل المؤثرة في التفكير الإبداعي
1. الوراثة و الإبداع
الوراثة تزود الفرد بالإمكانيات التي تتيح له فرص الإفادة منها لو توفرت له وفق مجالات معينة ،
فالوراثة متتطلب أساسي للإبداع و يمكن أن يكون الإبداع كامنا لا يظهر إذا لم تحثه عوامل بيئية.
لذا يمكن القول أن كل فرد مبدع بطبيعته و لديه القدرة على الإبداع و أن ظاهرة قدرات التفكير
الإبداعي موزعة توزيعاً طبيعيا ً مثل أي ظاهرة أخرى إذا لم تعوق أو تحد بفعل مؤثر.
2. البيئة والإبداع :
البيئة أحد العناصر المحددة لظهور الإبداع و يقال الإنسان ابن بيئته أي أن الفرد المبدع هو أحد
نتائج تفاعله مع بيئته و مجتمعه ، لذلك يفترض أن البيئة و تعدد عناصرها و غنائها ينمي الإبداع،
أما البيئة الخالية من المثيرات فهي تبقي على الإبداع مخفيا ، و كذلك البيئة ذات المثيرات
المزعجة كالمقاهي و الحفلات و الفصل المزعج مثلا ففي هذه الحالات لا يظهر الإبداع . أم البيئة
المناسبة للإبداع هي التي تشتمل على مثيرات لا تشوش على التفكير بل تنميه كالسير بقرب شاطئ
البحر أوضفة النهر أو بين الجبال و السهول ...
الأسرة كأحد متغيرات البيئة المؤثرة في الإبداع
يتلقى الطفل في الأسرة من الخبرات ما يعده للاستجابة بطريقة إيجابية أو سلبية للخبرات القادمة
في حياته ، و ينشأ عن علاقة الطفل بوالديه و إخوته اتجاهات و قيم تصبح أساسا لعلاقته بزملائه
الآخرين . و للوالدين دور مهم فهم يلعبان كنماذج ذهنية و اجتماعية و مخططين و منظمين و
مستمعين و معززين و مشجعين لقدرات و أساليب تفكير الطفل الإبداعي ، و يكون ذلك في أسرة
يسودها جو الحب و الأمن و الدفء العاطفي و التقبل.
معيقات التفكير الإبداعي :
1.التقويم المتوقع: الأفراد الذين يركزون على كيفية تقويم إنتاجهم يكون مستوى إبداعهم أدنى من
الأفراد الذين لا يعيرون بالا لذلك.
2.المكافأة: الأفراد الذين يقومون بمهمات مقابل مكافأة أقل إبداعا من الأفراد الذين يقومون
بمهمات دون مقابل بسبب الدافع الذاتي.
3.المراقبة و الإشراف: الأفراد الذين يشعرون أنهم موضع مراقبة أقل إبداعا من الأفراد الذين لا
يشعرون بذلك.
4.المنافسة:الأفراد الذين يشعرون بتهديد مباشر و منافسة لهم من الآخرين أقل إبداعا من الأفراد
الذين لا يعيرون بالا للمنافسة.
5.الاختيار المقيد: الأفراد الذين يقومون بمهام محددة و مقيدة بشروط معينة أقل إبداعاً من
الأشخاص الذين يقومون باختيار المهام و بالكيفية المناسبة.
فالأفراد الذين يهتمون بالعوامل الخارجية التي تؤثر في أداء المهمات التي يقومون بها هم أقل
إبداعا من أولئك الذين يهتمون بالعوامل الداخلية التي في تلك المهمات.
6.عوامل اجتماعية: كالفقر و ما ينجم عنه من سوء التغذية و تردي الأوضاع الصحية ، و بعض
الممارسات السائدة في المجتمع كالتسلط و كبت الحريات.
7.أساليب التدريس التقليدية: حيث الدور السلبي للطالب.
8. التركيز على كم المادة المقررة دون الكيف.
9. ضعف الإمكانيات المادية: قلة الوسائل المعينة و المواد الخام الضرورية للإبداع و الظروف
الصعبة في المدرسة بشكل عام.
10.اتجاهات الإدارة و المعلمين تجاه المبدعين: تعتبر الإدارة الفاشلة عقبة أمام الطلبة المبدعين
و كذلك المعلم غير الكفء.
11. تكليف الطالب بمهام احتمالية فشلها عالية.
12. إظهار أو إضمار العقوبة على تساؤلات المتعلمين.
13. الخروج عن المألوف لا يقبله الآخرين.
فهل يا ترى من خلال هذه المعطيات التي تناولناها، نستطيع إنتاج أفكارا إبداعية وأعمالا مبدعة،
هذا هو المطلوب منا في هذا القسم من النسمات، أفكار وأعمال ترتقي بالعادي إلى التميز، وتسمو
بالبسيط إلى المبدع.
والتميز الفردي أو الإبداع الشخصي يقودنا إلى الإبداع الجماعي، ولم لا يأتي اليوم الذي نرى فيه
منتدى النسمات رائدا ومرجعا في مجال الإبداع الفكري والفني.
خلاصة القول:
ونخلص من كل هذا إلى أن الإبداع لا يتطلب موهبة خارقة أو ذكاء حاد، وإنما هو تمرن واكتساب
لمن أراده، وممكن لأي شخص عادي أن يشق طريقه نحو الإبداع بالتعلم واكتساب المهارات،
والمطلوب هو الإرادة والجرأة وعدم التوقف عند أول عثرة، والمبادرة فكم من مبدع طاقته كامنة
في صدره لم تجد بعد فتيل وشرارة يفجرانها ، فلنجعل هذا القسم هو الفتيل، ولنجعل هذا الموضوع
هو الشرارة.
يقول "ادوارد دي بونو" في كتابه "الإبداع الجاد" :- " نتيجة لزيادة حدة المنافسة أصبح الإبداع هو الطريق لأي شركة لخلق قيمة مضافة إلى ما هو متاح لها بالفعل من موارد وأصول".
- " يعتقد الناس أن الإبداع موهبة خارقة، ولكي يكون الإنسان مبدعا حقا لابد أن يكون إنسان غير عادي، وهو إما مبدع أو لا ، لكن حقيقة الأمر أن التفكير الإبداعي ممكن لمن يريد تعلمه واكتسابه، وله منهجه العلمي وأساليبه وتقنياته التي يمكن أن تتولد لدى أي شخص عادي التفكير بحيث تساعده في معالجة أي موقف يريد تناوله".
- " الإبداع الجاد هو أسلوب عقلاني ومنطقي نحو فكر خلاق له أدواته وتقنياته في خلق أفكار جديدة، ومن ينشد النجاح في المستقبل، سواء كان على مستوى الشركات أو الأفراد، لابد أن تكون لديه رؤية يتميز بها على منافسيه من خلال فكر مبدع له قيمته وأثره".